القائمة الرئيسية

الصفحات

كيف نربي انفسنا: الجزء الثاني



المجتمع يربينا:

لصديقي الأستاذ أحمد جمعة كتاب (لمَّا يطبع) يدعو فيه دعوة غريبة عن أذهاننا، هي الاستغناء عن المدارس اكتفاء بالمجتمع؛ أي إن المجتمع يجب أن يربينا، وأننا لسنا في حاجة إلى مدارس ننتظم فيها تلاميذ كي نتعلم.
وغرابة هذه الدعوة تعود إلى أننا نشأنا في بيئة جعلت المدارس مألوفة في مجتمعنا، نكاد لا نجد مدينة بل قرية تخلو منها، ولكن لم تكن الحال كذلك قبل بضعة قرون، حين كانت المدارس قليلة لا تنشأ إلا في العواصم، وكان الناس يتعلمون الصناعات والفنون التي يحترفونها بالانتظام في «الطوائف»، والطائفة هي الجماعة التي كانت تتألف للاشتراك في الحرفة، يدخلها الصبي فيتعلم، ثم يتدرج إلى أن يصير عاملًا، فمعلمًا. وقد كان نظام الطوائف عامًّا في مصر إلى أيام إسماعيل باشا، كما كان عامًّا في أوروبا في القرون الوسطى، بل إن نظام الجامعات القائم الآن في أوروبا، وهو النظام الذي يجعل الجامعة مستقلة، إنما نشأ على غرار نظام الطوائف؛ لأن كل طائفة حرفية كانت مستقلة في قبول أعضائها وتربيتهم ومعاقبتهم، وكلمة جامعة تعني طائفة أو — كما نقول الآن — «نقابة».
ومن الحجج التي يقدمها أحمد جمعة على أن المدرسة غير ضرورية أن كثيرًا من الزعماء والأدباء والعلماء لم يتعلَّموا في مدرسة ما، أو كان تعليمهم ناقصًا، مثل داروين داعية التطور، بل مثل كمال أتاتورك، وستالين، وبرناردشو.

ولسنا هنا نقول بالاستغناء عن المدرسة، ولكنا مع ذلك يجب أن نعترف بأن في المجتمع الحسن فرصًا كثيرة لتعليمنا نستطيع أن ننتفع بها في تثقيفنا، وكلنا يعرف أن «الورشة» أي المصنع الصغير، هي مدرسة فنية لجميع العمال الذين يعملون فيها، وكثيرًا ما رأينا هؤلاء العمال يخرجون من الورشة كي يستقلوا ويعملوا ويكسبوا بما تعلموه فيها.
ولكننا لا ننظر إلى المجتمع من حيث إنه يعلمنا الحرفة، بل من حيث إننا نستطيع أن نستغله لتثقيفنا الذاتي؛ لأن هذا هو موضوعنا، والمجتمع العصري الحسن يزودنا بكثير من وسائل التثقيف، مثل الجريدة والمجلة والكتاب والسينماتوغراف والراديوفون والمتحف والنادي بل والمنزل، وهو يتيح لنا الفراغ الكثير، وجميع هذه الأشياء في المجتمع الحي الحسنة، وجميع هذه الأشياء في المجتمع الموات سيئة، وكل واحد منها يمكن أن يكون وسيلة قوية للتثقيف أو للتسخيف، وسنرصد فصولًا لبحث ذلك في هذا الكتاب.
فأما الجريدة والمجلة والكتاب فإنها في مقدمة الوسائل، ولا يمكن أن يخلو منها بيت متمدِّن أو يستغني عنها رجل متمدن، وأولئك العظماء الذين قادوا الأمم في الأدب والسياسة والعلوم دون أن يحصلوا على تعليم مدرسي أو جامعي، إنما تحققت لهم هذه القيادة بما امتاز به مجتمعهم من جرائد ومجلات وكتب حسنة، ومن المستحيل أن ينشأ مثل هؤلاء الرجال في مصر، حيث معظم الجرائد والمجلات والكتب غير حسن، والمكتبة الحسنة لا تقل قيمة عن المدرسة أو الكلية الحسنة، بل لعلها تزيد.
والمجتمع الحسن يزودنا بالمتحف التاريخي أو العلمي، مع الكتب التي تشرح وتنير عن معروضاته، والشاب المصري الذي يدرس معروضات المتحف المصري أو المتحف العربي، أو يزور حديقة الحيوان بالجيزة (ولا أذكر حديقة السمك الحقيرة) يجد فيها جميعها تثقيفًا مفيدًا، بل كذلك المتحف الزراعي. ولو أقبل الجمهور على زيارة هذه المتاحف بغية الدرس والانتفاع لعنيت الحكومة بها، وفي هذه الحال يمكنها تعيين الخبراء للشرح والتنوير.
آرثور شوبنهاور والراديوفون ينشر ثقافة عامة، أكثرها بالطبع تلك الأغاني الشعبية والموسيقا العامية والقليل من المحاضرات الخفيفة، ولكنه كثيرًا ما ينحط حتى تصير أغانيه أغانيج، وموسيقاه ألاعيب، ومحاضراته دعايات؛ وعندئذٍ لا يكون للتثقيف وإنما للتسخيف. 

وقد عني صديقي الأستاذ حنا رزق بتحليل الإذاعات في القاهرة، فوجد (في ١٩٤٦) أن محطة الإذاعة تخص الأغاني والموسيقا بنحو خمسين في المئة من وقتها، ولا تخص المحاضرات التثقيفية إلا بمقدار ٣,٦٣ في المئة من وقتها، وإليك الأرقام المضبوطة كي تقف على القيمة التثقيفية للمذياع: 

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع