القائمة الرئيسية

الصفحات

دراسة لمسرحية تاجر البندقية: الجزء الثاني



الجزء الثاني من مسرحية تاجر البندقية:

بورسيا في زى محام من الفتيان وأجادت الدفاع عن أنطونيو الذي لم يعرفها، كما لم يعرفها زوجها باسانيو، لأنها كانت متنكرة. واستطاعت في ذكاء وحسن حيلة أن تحيل شيلوك اليهودي إلى راجٍ ذليل … فقد استعملت شرط اقتطاع اللحم ضده، مصممة على أن يكون اللحم بلا قطرة من دم، تمشيًا مع حرفية النص الذي ينص على أن رطل اللحم بلا دم … وهكذا كان القانون على شيلوك لا له، واضطرته بورسيا — وهي في ثوب فتى محام — أن يكتب أمام دوق البندقية عهدًا على نفسه بأن ينزل عن كل ثروته يوم وفاته لابنته جسيكا التي كانت سرقت قسطًا من ذهب أبيها وأثمن جواهره وهربت بها مع عشيقها المسيحي لورنزو وهو واحد من أصدقاء أنطونيو.

ومن عجب أن يعيش لورنزو وجسيكا بنت شيلوك في بيت بورسيا الضخم خلال اشتغال هذه بالدفاع — متنكرة — عن أنطونيو أمام محكمة البندقية وعلى مشهد من الدوق.
وبعد انتهاء المحاكمة إلى المصير الذي صارت إليه بخيبة شيلوك اليهودي وخسرانه وفقدانه ثروته، وصيرورته مدينًا ذليلًا محرومًا بعد أن كان دائنًا طاغيًا متجبرًا — بعد هذا تنتهي الرواية بوصول أوثق الأخبار عن نجاة سفن أنطونيو مما قد أشيع عن هلاكها، وتختم المسرحية ختامًا سعيدًا يجتمع فيه الأزواج باسانيو وبورسيا، ولورنزو وجسيكا، كما يلتقي معهم صديقهم الوفي أنطونيو الذي عادت إليه سفنه وأمواله سليمة صحيحة، كما عادت إلى جسيكا — ابنة شيلوك وزوجة لورنزو — أموال أبيها شيلوك الذي تمثلت في جشعه وحقده وفساد طبعه وقساوة قلبه حفنة من أخلاق قومه … منابع هذه الرواية.
أما حكاية هرب جسيكا بنت شيلوك بعد أن سرقت بضعة من مال أبيها وجواهره فيمكن أن ترتد إلى أصل إيطالي في القرن الرابع عشر، وذلك في رواية نوفلينو لسالرنو، فهي تحدثنا عن ابنة ثري بخيل من أهل نابلي، سرقت جواهر أبيها واتخذت سبيلها في الأرض هربًا مع عاشقها … على أنها بعد ذلك حكاية شائعة في ممالك الأرض جميعًا. البناء المسرحى ووحدة الزمان والمكان.
إذا كنا نسلم بالعناصر الرئيسية التي وضعها أهل الخبرة للمسرح بعد طويل من التجارب، والتي بنوها على المفتتح، وابتداء العقدة، ونقطة التحول، وانحدار نحو الختام، والخاتمة، فإنه من المسلم به أن خاتمة المأساة تنتهي بصراع البطل ضد قوات معادية، وينتهي الصراع بهزيمة البطل، على حين ينتهي في الملهاة بانتصاره. وعلى ضوء هذه المبادئ نقول: إن «مسرحية تاجر البندقية» هي ملهاة ينتصر فيها أنطونيو علي كل الصعوبات التي اعترضت سبيله.

فعلى حين تتأزم الأمور أمام أنطونيو ويعجز عن الوفاء بدين شيلوك في موعده، وتأتيه أخبار الخسارة لعروضه وأمواله وسفنه في الساعة التي يفرح فيها باسانيو بزواجه من بورسيا — على حين يحدث ذلك إذا بالمحاكمة تبدأ، وإذا بالفتاة الثرية العاقلة بورسيا تحول القانون في براعة وحذق إلى صدر شيلوك، فتختلط المأساة الفرعية العارضة بالملهاة الأصيلة، وينتهي ذلك كله بالنهاية السعيدة على نغمات الموسيقى، وفي سفور القمر المطل المضيء على قصر بورسيا بمدينة بلمونت. ولقد نحى شكسبير وحدة الزمان والمكان جانبًا في هذه المسرحية، وجرى على وحدة أكمل وأتم — هي وحدة الحياة. وبذلك سار على طريقة ابتداعية خالف بها المذهب الاتباعي القديم «الكلاسيكي».
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع