القائمة الرئيسية

الصفحات

المقدمة :

نُشرت قصة «كوخ العم توم» أول ما نُشرت في آذار سنة 1852، فبيع منها يوم إنزالها إلى الأسواق ثلاثة آلاف نسخة. ولم تنقض أربعة أشهر على نشرها حتى بلغت عائدات المؤلفة منها عشرة آلاف دولار. وما استدار الحول حتى كان الكتاب قد طبع مئة وعشرين طبعة، مجموع النسخ المبيعة منها ثلاثمائة ألف نسخة. أما اليوم فقد بلغت النسخ المطبوعة من «كوخ العم توم» الملايين عداً.

ولم يكن انتشار القصة خارج الولايات المتحدة أضيق نطاقاً. فما كادت تصدر في أميركا حتى انبرت ثماني عشرة داراً من دور النشر اللندنية إلى تزويد القراء بطبعات منها مختلفات، حتى لبلغت طبعاتها هناك أربعين طبعة في سنة واحدة. ليس هذا فحسب، بل إن خمسمائة ألف امرأة إنكليزية وقّعنَ خطاب شكر موجهاً إلى المؤلفة. وجمعت اسكتلندا ألف جنيه من أشد سكانها فقراً، بنساً واحداً من كلٍّ، كمساعدة رمزية لحركة تحرير العبيد. وإلى جانب طبعات خمس صدرت باللغة الفرنسية، تُرجم الكتاب إلى الأرمنية، والبوهيمية، والدانمركية، والفنلندية، والفلمنكية، والألمانية، والهنغارية، والإيطالية، والبولندية، والبرتغالية، واليونانية، والروسية، والصربية، والإسبانية. ويقال إن بعض الروس أعتقوا أقنانهم بسبب من عظيم تأثرهم بالقصة.
وبُعَيد صدور القصة ببضعة أشهر، انبرى كثير من الكتّاب لصياغتها في قالب تمثيلي. فعرف المسرح الأميركي ثماني نسخ على الأقل من الرواية في قالبها المسرحي، مثّلت ستٌّ منها قبل نشوب الحرب الأهلية. واستمر عرضها أشهراً بكاملها في كل من الولايات المتحدة وإنكلترا على السواء. وفي عهد السينما قدّر لملايين الناس أن يكحلوا العين برؤية شيرلي تامبل تلعب دور «إيفا الصغيرة»...
وأحدثت القصة لدى نشرها هزة في الديار الأميركية من أقصاها إلى أقصاها. لقد تلقّتها الولايات الشمالية بالتهليل الصاخب، ولم تشجعها الولايات الجنوبية في بادئ الأمر. حتى إذا طارت شهرتها كل مطار، وفي ولايات الجنوب بخاصة، تغيّر الموقف. فطبعت الكتيّبات ونشرت المقالات الصحفية في الطعن على الكاتبة وتسفيهها. وشجبت بعض الصحف والمجلات الشمالية - المتخذة لنفسها صفة دينية - هذا الأثر الاجتماعي والأدبي العظيم، معتبرة إياه عملاً غير مسيحي حيناً، وعملاً وثنياً حيناً، وفي أسلوب لاذع مرير لم ينته إلى مثله أسلوب الصحف الجنوبية المؤيّدة للاسترقاق، نفسها. وتدفقت الرسائل الخاصة على المؤلفة كالسيل، فأما بعضها فكان يفيض بالتأييد، وأما بعضها الآخر فكان ينطوي على أقبح ضروب الإهانة والتهديد. وقد تضمنت إحدى هذه الرسائل أذن رجل زنجي وورقة كُتب عليها ما مفاده أن هذا الصنيع هو إحدى النتائج المحتومة لكل حملة تُشن من أجل الدفاع عن «الزنوج اللعينين»...
ولم تجتمع السيدة ستاو إلاّ مرة واحدة بالرئيس أبراهام لنكولن. وكان ذلك سنة 1862 والحرب الأهلية بين ولايات الشمال المناوئة للاسترقاق، وبين ولايات الجنوب المؤيدة له، محتدمة أشد الاحتدام. ولم تكد تدخل على الرئيس حتى هرع لاستقبالها وقال: - «حسناً، مسز ستاو، إني سعيد بأن أرحب بكِ بوصفكِ مؤلفة تلك القصة التي أحدثت هذه الحرب العظيمة!»

ويحسن بنا في هذا المقام أن نشير أن «كوخ العم توم» رواية واقعية مئة بالمئة. وقد أشارت السيدة ستاو يوماً إلى هذا المعنى فقالت: «أنا لم أؤلف كوخ العم توم..» حتى إذا قوبل كلامها بالدهشة والاستغراب قالت: «أجل أنا لم أؤلف هذه القصة. كل ما فعلته أني دوّنتُ ما شهدته بعينيّ في بعض ولايات الجنوب!» ذلك، وقد أنفقتُ غاية الجهد لكي أقدم إلى القراء ترجمة أمينة شبه كاملة للأصل الإنكليزي. ولي مكين الأمل في أن تحظى هذه الرواية على رضا المثقفين، وثقة الأجيال الطالعة.

1-رجل إنساني

في أصيل يوم بارد من أيام شباط، كان رجلان يحتسيان الشراب في غرفة حسنة الأثاث بمدينة «ب» من أعمال ولاية كانتاكي. لم يكن ثمة أحدٌ من الخدم. وكان يبدو وكأن الرجلين يدرسان موضوعاً يستأثر باهتمامهما كله. كان أحد الرجلين قصيراً، بديناً، ذا ملامح غليظة، وروح من الادعاء الأجوف التي تطبع الرجل الوضيع حين يسعى لأن يشقّ طريقه نحو دنيا الرفاه والثروة. كان يلبس ثياباً متراكبة، تتعدد فيها الألوان وتتضارب، ويداه الغليظتان الخشنتان مثقلتين بالخواتم، وكانت لغته تتحدى قواعد النحو فلا تعرف قيداً ولا ضابطاً.
أما رفيقه، السيد شيلبي، فكان مظهره يؤذن بأنه عريق في النبل والوجاهة. وكان الرجلان يتجاذبان أطراف الحديث في أمر مهم. - «وهكذا ينبغي أن تُسَوّى المسألة...» قال مستر شيلبي. - «ولكني لا أستطيع أن أقرّك على هذا العرض...» - «تأكد يا هيلي، أن توم عبدٌ يندر مثيله. وهو لا شك يستحق هذا المبلغ. إنه قوي مخلص وهو يدير مزرعتي كلها كالساعة.» فقال هيلي: - «تقصد أنه مخلص على طريقة الزنوج...» - «لا، أنا أعني أن توم ولد طيب حساس وتقي. لقد تعلم الدين منذ أربع سنوات فعمر قلبه بالإيمان. ومنذ ذلك الحين وأنا أأتمنه على كل شيء، على مالي وبيتي وأفراسي.. في الخريف الماضي أرسلته منفرداً إلى سينسيناتي، في عمل من أعمالي، وكلفته أن يحمل إليّ خمسمائة دولار، فلم يخيّب ظني فيه. وقد قال له بعضهم هناك: توم، لماذا لا تهرب إلى كندا؟ فأجاب: لقد وضع سيدي ثقته فيَّ وقد وعدته بأن أعود، وليس من خلقي أن أغدر أو أخلف بوعد. وعلى أية حال، فأنا آسف لاضطراري إلى التخلي عن توم. وأحسب أنك لن ترد رجائي في أن تعتبره سداداً مني لكامل دينك...» ولكن النخّاس اعتذر، في تلطف، عن تلبية رغبة السيد شيلبي وقال:
- «ولكن أليس عندك صبي تستطيع أن تستغني عنه، أو صبية تستطيع أن تستغني عنها، مع توم؟» - «لا، لا! أقول لك الحق. إن الضرورة القاهرة هي التي تحملني على البيع ليس غير. أنا لا أحب أن أفارق أياً من هؤلاء الذين أملكهم.» وهنا فُتح الباب، ودخل الغرفةَ صبي نصف خلاسي، يتراوح عمره ما بين الرابعة والخامسة. وكان هذا الصبي على جمال رائع. كان شعره الفاحم، الناعم كالحرير، يتدلى جعداً لامعاً على وجهه المستدير ذي الغمازة، وكانت عيناه الكبيرتان السوداوان تطلان من وراء أهدابه الطويلة الوارفة. وكان ثوبه القرمزي الزاهي ورداؤه المخطط الأصفر يزيدان جماله الداكن روعة على روعة.
ورحب السيد شيلبي بالصبي، ومرّر يده على شعره الجعد في حنوّ بالغ ثم قال له: تشارلز ديكنز وآخرون - «جيم كراو، دع هذا السيد يرى كيف ترقص وتغني.» فانبرى الصبي ينشد أغنية من تلك الأغاني الشائعة بين الزنوج محركاً يديه، ورجليه، وجسمه جميعاً حركات منسجمة كل الانسجام مع اللحن... وأُعجب هيلي بالصبي فالتفت إلى السيد شيلبي، وقال: - «حسناً، إني مستعد بأن أعفيك من الدين كله إذا أعطيتني هذا الغلام أيضاً.»

 وفي تلك اللحظة بالذات فُتح الباب، في رفق، ودخلت الغرفةَ شابةٌ نصف خلاسية، لا يزيد عمرها على خمس وعشرين سنة، في ما يبدو.

كان واضحاً أن تلك المرأة كانت والدة الغلام. كان لها عيناه السوداوان، وأهدابه الطويلة الوارفة، وشعره الفاحم المتجعد، وكانت على جمال ورشاقة، استأثرا في الحال بإعجاب تاجر الرقيق الغليظ الفؤاد. وسأل السيد شيلبي: - «ما الذي أتى بكِ يا أليزا؟» - «كنت أبحث عن هاري يا سيدي.» واندفع الصبي نحوها، فطلب إليها سيدها أن تأخذه إذا شاءت. وعرض النخاس على شيلبي أن يبيعه المرأة بأي ثمن، فأبى. حتى إذا قطع الرجاء من إقناعه سأله أن يعطيه الغلام فأبى كذلك، قائلاً: - «لا تُتعب نفسك، فلن أبيعه. إني يا سيدي رجل إنساني وأكره أن أنتزع الغلام من حضن أمه.» فلم يكن من التاجر إلاّ أن شرع يحدث السيد شيلبي عن إنسانيته هو، وعما يعمر قلبه من عطف على العبيد جعله موضع تندّر زملائه وسخريتهم. حتى إذا آنس من مخاطبه نزعةً إلى تصديقه أشرقت عيناه ببريق الأمل وقال: - «والآن، ماذا ترى؟»
- «سأقلّب الأمر مع زوجتي، وباستطاعتك أن تسمع جوابي النهائي، هذا المساء، بين السادسة والسابعة.» والواقع أن نظام الرقيق في ولاية كانتاكي، كان في الأعم الأغلب أخفّ وطأة على الزنوج منه في سائر الولايات الأميركية. ومن يزور بعض المزارع في تلك الولاية ويرى التسامح الذي يبديه بعض رجالها ونسائها البيض ليخيَّل إليه أن الزنوج في خير. ولكن شبحاً رهيباً كان يخيم على هذا المشهد، هو شبح القانون. فما دام القانون يعتبر جميع تلك الكائنات البشرية، بقلوبها النابضة وأحاسيسها الحية ملكاً للسيد الأبيض، يتصرف بها كما يتصرف بما يملك من أشياء، وما دام موت المالك الرؤوف أو افتقاره أو طيشه كثيراً ما تنقل الزنوج من حال من التسامح والحماية الرفيقة إلى حال من الكدح والشقاء، فلن يكون في أحسن أنظمة الرقيق وأكثرها تلطفاً ورحمة ذرةٌ من جمال تبرر وجوده، أو ذرة من فائدة تشفع به.
وكان السيد شيلبي رجلاً نبيلاً، كبير القلب، ميّالاً إلى الإحسان إلى كل من يحيط به. ولم يكن يضنّ على زنوجه بأيما شيء يساعد على تمتعهم بالرفاه الجسدي. بيد أن إسرافه الطياش أغرقه في الديون. فإذا بدائنه النخاس، هيلي، يطالبه بالمال، وعلى هذا كان يدور الحديث الذي افتتحنا به قصتنا بين الرجلين. لقد أدركت أليزا بغريزتها، وهي تقترب من باب الغرفة، أن النخاس يعرض على مولاها بيع شخص ما - ومن يدري فلعله يريد شراء ابنها، فرجف قلبها، وانقبضت نفسها حتى إذا رأتها سيدتها على هذه الحال، وسألتها ما بها أجابت والدمع يترقرق في عينيها والزفرات تتصاعد من صدرها:
- «أواه يا سيدتي، كان ثمة نخاس يتحدث إلى سيدي، في غرفة الاستقبال..» - «وأي بأس في ذلك؟» - «ولكن يا سيدتي، هل تعتقدين أن سيدي يمكن أن يبيع هاري؟» قالت ذلك وألقت بنفسها على الكرسي وشرعت تنتحب. - «يبيعه؟ لا أيتها الحمقاء. أنت تعرفين أن سيدكِ لا يتعامل مع هؤلاء النخاسين الجنوبيين، وليس ينوي أن يبيع أحداً من خدمه ما داموا يسلكون النهج القويم. ولكن من هو ذلك المغفل الذي يرغب في شراء هاري؟ أتحسبين أن مصائر الناس جميعاً مرتبطة به شأن مصيركِ؟ استعيدي مرحكِ، ولا تسترقي السمع من وراء الأبواب بعد اليوم!»
يتبع...
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع