القائمة الرئيسية

الصفحات

قصة كوخ العم توم: الجزء الثالث :

الجزء الثالث من قصة كوخ العم توم:

تتمة...

- 3 -  فرار الأم

كان كوخ العم توم صغيراً تحيط به حديقة نظيفة تنوّر فيها، أيام الصيف، أنواع من الأزهار تدخل البهجة على قلب العمة كلو، التي كانت بوصفها زوجة توم، والطاهية الرئيسية، تهيمن على كل شيء في المنطقة. حتى الدجاج، والديكة الرومية والأوز، التي تضج بها زرائب آل شيلبي كانت ترتعد فرائصها حين ترى وجهها الأبنوسي اللامع قادماً من مكان بعيد. أما العم توم نفسه فكان رجلاً ضخم الجسم، عريض الكتفين، تنطق ملامحه الأفريقية بكرم نفسه ورجاحة عقله. وكان يجمع إلى احترام الذات، وَدَاعة وبساطة محبّبتين.
وكان إلى ذلك كله «صاحب دين». كان يصلّي هو وامرأته وولداه وابن سيده في ساعة متأخرة من الليل، في كوخه الحقير، حين أقبلت أليزا حاملةً طفلها هاري، وطرقت بإصبعها على النافذة. وفي الحال فُتح الباب، ودخلت أليزا لاهثة، وقالت: - «أنا هاربة، أيها العم وأيتها العمة كلو، هاربة بطفلي من الجحيم. فقد باعه السيد للنخاس!» فصاح العجوزان، ورفعا أيديهما في ذعر: - «باعه؟»
- «أجل باعه! لقد سمعت السيد يقول للسيدة إنه باع صغيري هاري، وباعك أنت أيضاً أيها العم توم، لأحد النخاسين، وهذا النخاس سوف يأتي اليوم لأخذنا.» وجمد توم في مكانه، واتسعت حدقتاه، وكأنه في حلم. وفي صمت مرعب، انكمش على كرسي قديم، وخفض رأسه حتى لكاد يلامس ركبتيه. قالت العمة كلو: - «ليرحمنا رب السماء، أي ذنب اقترف؟» - «لم يفعل شيئاً. والسيد لم يكن راغباً في البيع. وقد سمعتُ سيدتي تنتحب وتلتمس منه إنقاذنا. ولكنه قال لها إنه مدين للنخاس، وإنه إن لم يفعل فهو مضطر إلى بيع الإقطاعة كلها.» فالتفتت العمة كلو إلى زوجها وقالت:
- «حسناً، أيها العجوز، لماذا لا تفر أنت أيضاً؟ أليىس ذلك أفضل من أن تُحمل إلى ما وراء النهر، حيث يموت الزنوج كدحاً وجوعاً؟!» فرفع توم رأسه في بطء، وتطلع حوله في حسرة، ثم قال: - «لا، لن أبرح هذا المكان. دعي أليزا تفرّ. إن ذلك حقها. لقد كنت دائماً عند حسن ظن السيد بي، وسأظل على ذلك ما حييت.» - «والآن...»، قالت أليزا لدى الباب، لم أرَ زوجي إلاّ ظهيرة اليوم، وما كنت عالمة آنذاك بما كُتب عليَّ. فرجائي إليكما أن تكتبا إليه وتعلماه أنني هربت، وأنني سأحاول اللحاق به إلى كندا. بلّغاه حبي له وأوصياه - إذا لم يقدّر لي أن ألتقي به بعد اليوم - بأن يكون صالحاً ما استطاع، وأن يسعى للاجتماع بي في مملكة السماء.» واختنق صوتها وانسلّت تحت جنح الظلام.
ما كان لمخلوقٍ بشري أن يبدو أشد بؤساً وشقاء من أليزا عندما غادرت كوخ العم توم. لقد تمثلت آلام زوجها، والخطر الذي يتهدد ابنها. وحزّ في نفسها أن تغادر البيت الوحيد الذي عرفته في حياتها، وتخسر حماية السيدة التي أحبتها واحترمتها، وتنقطع صلتها بالمكان الذي نشأت فيه والأشجار التي لعبت في ظلالها، والغياض التي نعمت بالتنزه فيها إلى جانب زوجها، في الأمسيات السعيدة من عمرها. ولكن جزعها على ابنها كان أقوى من هذه العواطف كلها... والواقع أن ابنها كان في سن تمكنه من السير إلى جانبها، ولكن مجرد التفكير بإنزاله عن صدرها كان كافياً، في تلك اللحظات الرهيبة، لأن يوقع الرجفة في أوصالها، فشدّته إلى صدرها الواجف، وانطلقت لا تلوي على شيء. وقبيل الغروب، انتهت أليزا إلى نهر أوهيو الفاصل ما بينها وبين أرض الحرية. كان الربيع طفلاً هو الآخر، وكان النهر متلاطم الأمواج، وكانت قطع كبيرة من الجليد تتأرجح فوق سطحه الهائج.
وإذ لم تجد أليزا مركباً ينقلها إلى الضفة الثانية من النهر، فقد أوت إلى شبه فندق صغير، حيث أضجعت ابنها المكدود، وبقيت تتقلب على جمر الانتظار، في حين كان هيلي، النخاس - الذي صعقه نبأ فرارها والذي بذلت السيدة شيلبي غاية جهدها لتعوقه عن اللحاق بها - قد انتهى في بحثه المحموم عن مقرها إلى ذلك الخان. حتى إذا أحست أليزا بالخطر المحدق بها، حملت طفلها وانطلقت نحو النهر فبلغته في مثل لمح البصر. ولحق بها النخاس ومن معه. وبتلك الشجاعة البالغة التي لا يمنحها الله إلاّ لليائس المسكين وثبت من الشاطئ إلى أول قطعة من قطع الجليد العائمة على النهر... وأحست بالجليد يتكسر تحت قدميها، ولكنها لم تُضع لحظة، فوثبت إلى قطعة ثانية، ومنها إلى ثالثة، وهكذا. لقد أفلتت فردة حذائها من رجلها، وتمزق جوربها، وصبغ الدم كل خطوة من خطواتها، ولكنها لم ترَ شيئاً، ولم تشعر بشيء. إلى أن تكحلت عيناها، على نحو ضبابي مبهم، وكأنها في حلم، برؤية شاطئ أوهيو ورجل يساعدها على النزول إلى اليابسة...
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع