القائمة الرئيسية

الصفحات

قصة كوخ العم توم: الجزء الثاني

الجزء الثاني من قصة كوخ العم توم:

تتمة...

الأم والأب:

نشأت أليزا، منذ صباها الأول، في رعاية مولاتها الورعة، الطيبة، فبلغت سن النضج من غير أن تتعرض للتجارب التي تجعل الجمال شديد الشؤم على الفتاة السوداء. ثم تزوجت من فتى خلاسي، موهوب يملكه سيد الإقطاعية المجاورة. وكان ذلك الفتى، واسمه جورج هاريس، يعمل في مصنع للأكياس، فاخترع آلة لتنظيف القنّب تعتبر عملاً من أعمال العبقرية. وعلم سيد الإقطاعية، وكان فظاً غليظ القلب، بنبأ الاختراع فهرع إلى المصنع ليرى الآلة البارعة. وفيما كان جورج يعرض على سيده اختراعه، مزهواً بما ابتدع، استشعر السيد ضرباً من الشعور بالنقص، فإذا به يثور ويرغي ويزبد، ويأمر القيِّم على المصنع بفصل جورج ونقله إلى أحد الحقول ليعزق الأرض وينكشها.

وفيما كانت أليزا واقفة ذات يوم على شرفة البيت الذي تعمل به فاجأها جورج بضربة رفيقة على كتفها فصرخت فرحة: - «جورج! أهذا أنت؟ لقد أفزعتني! حسناً، إنني سعيدة بلقائك. لقد خرجت سيدتي في زيارة. تعال معي إلى غرفتي الصغيرة لنقضي فترة الأصيل معاً.» قالت ذلك وانسحبت هي وزوجها إلى تلك الغرفة المؤدية إلى الشرفة ثم استطردت: - «ما أشد سعادتي! ولكن ما بالك لا تبتسم؟ انظر إلى هاري الصغير كيف ينمو ويكبر؟» وطبعت على جبين طفلها قبلة تمور بالعطف والحنان.

فقال جورج: - «ليته لم يولد قط! وليتني لم أولد أنا أيضاً!» وارتاعت أليزا، فجلست، وأسندت رأسها إلى كتف زوجها وانفجرت تبكي. فقال جورج: - «يبدو أنني أسبب لكِ كثيراً من الشقاء. وإني لأتمنى الآن لو أني لم أركِ ولم ترني، إذن لكنتِ سعيدة خالية البال.» - «جورج! جورج! كيف تقول ذلك! أي كارثة حدثت أو توشك أن تحدث؟ لقد كنا سعداء جداً حتى وقت قريب.» - «هذا صحيح، يا عزيزتي.»

قال ذلك وأجلس الصبي على ركبته، وراح يحدّق إلى عينيه الفاحمتين، ويُمرّر يديه خلال شعره الجعد الطويل. - «أجل يا أليزا، لقد غدت حياتي مريرة حتى لا تكاد تطاق. إني كادح فقير، يائس، منبوذ.. فأيّ سعادة في أن أحيا؟ ليتني مت قبل هذا؟» - «أنا أعلم يا جورج أنك ما زلت متحسراً على عملك الذي فقدته في المصنع، كما أعلم أن لك سيداً لا تعرف الرحمة سبيلاً إلى قلبه. ولكن اصبر، فلعل..» فقاطعها قائلاً: - «أصبر؟ ألم أتجمّل وأصبر طوال هذه المدة؟» - «حسناً، إنه لشيء فظيع. ولكن الرجل على أية حال هو سيدك.» - «سيدي! ومن الذي جعله سيدي؟ ذلك ما يقضّ مضجعي. أي حق له عليَّ.؟ أنا إنسان بقدر ما هو إنسان. بل إنني خير منه. فأنا أعلم منه بالتجارة، وفي ميسوري أن أقرأ أحسن مما يقرأ، وأن أكتب بخط أجمل من خطه. لقد تعلمت ذلك كله بنفسي ولم يكن له أيما فضل عليَّ في هذا. بل لقد تعلمت بالرغم منه. والآن بأي حق ينتزعني من عملي ويحملني على القيام بأعمال يستطيع أي حصان أن يقوم بها؟» - «أوه، جورج! ولكني لم أسمعك تتحدث بهذه اللهجة قبل اليوم. أرجوك هلاّ اعتصمت بالأناة والصبر، من أجلي أنا، من أجل هاري!»

- «لقد صبرت طويلاً. ولكن الأمر لم يعد يطاق. إن اللحم والدم لا قِبَل لهما بمثل هذه الحال... أمس كنت منهمكاً في نقل الحجارة إلى العربة عندما رأيت توم ابن السيد، يلوّح بسوطه قريباً من الفرس، حتى لقد أفزعها. فسألته في كثير من التأدب أن يقلع عن ذلك فاستمر في عبثه السمج، حتى إذا التمست منه الإقلاع عن عبثه، كرة أخرى، ارتد إليّ وأخذ يلهب جسدي بسوطه. فأمسكت بيده، فصرخ ورفسني، وانطلق إلى أبيه وزعم أنني ضربته ضرباً مبرحاً. فما كان من الأب إلاّ أن أقبل والشرر يتطاير من عينيه وشدني إلى شجرة وقطع للسيد الصغير عدداً من القضبان وأمره أن يضربني بها حتى ينهكه التعب. وهكذا فعل. ولكني لابدَّ أن أذكِّره بذلك يوماً من الأيام..»

وارتعدت أليزا ولم تنبس بكلمة. ثم سألته بعد قليل: - «ولكن ما الذي ستفعله؟ أوه، جورج! حذار أن تقدم على عمل غير صالح. واعلم أنك إذا سلّمت أمرك لله، وحاولت أن تعمل صالحاً، خلّصك من هذا البلاء.» فقال: - «أنا لست مسيحياً، مثلكِ يا أليزا. إن قلبي ليتآكله الغيظ. ولست أستطيع أن أسلّم أمري إلى الله. ولا أفهم لماذا يسمح الله بأن تجري الأمور على هذه الشاكلة؟» - «ولكن يحسن بك أن تعتصم بالإيمان يا جورج. لقد قالت سيدتي إن علينا، حتى حين نغرق في بحر من الظلام، أن نؤمن بأن الله يبذل غاية جهده لرعايتنا.» - «هذا كلام يمكن أن يوجه إلى المستريحين في سرُرهم، الممتطين متون عرباتهم ولكن دعيهم يعيشوا لحظة كما أعيش وأنا أؤكد لكِ بأنهم سيفقدون أعصابهم أكثر مما فقدتُ أعصابي. إني أتمنى لو أجد إلى الطمأنينة سبيلاً، ولكن قلبي يشتعل، وليس في الإمكان مخادعته، ولو كنتِ مكاني لما استطعتِ الصبر، وبخاصة إذا علمتِ بقية القصة...» - «وهل من بقية، بعدُ، لهذه القصة؟» فقال جورج:

- «لقد قال سيدي إنه كان مخبولاً حين سمح لي بالزواج من امرأة تعيش في إقطاعة غير إقطاعته، وإنه لن يدعني آتي إلى هنا منذ اليوم، وأن علي أن أتزوج امرأة أعيش معها على أرضه. وأمس أنبأني بأنه يتعين علي أن أتخذ «ميناء»، زوجة، وإلاّ باعني لسيد في الجنوب!» - «ولكنك زوجي أنا، زوّجني إياك القس كما لو كنت رجلاً أبيض!» فأجابها جورج: - «ألا تعلمين أن العبد لا يجوز له أن يتزوج؟ ليس في هذه البلاد قانون ينص على ذلك. وليس في استطاعتي أن أتمسك بكِ زوجة إذا شاء أن يفرّق بيننا. من أجل ذلك قلت إني أتمنى لو أنني ما رأيتكِ، ولو أنني ما ولدت، إذن لكان ذلك خيراً لي ولكِ. بل ليت هذا الطفل المسكين لم يولد، لكان خيراً له أيضاً، فقد يقع هذا البلاء في مستقبل غير بعيد...» - «أوه، ولكن مولاي أرأف من ذلك!» - «صحيح. ولكن من يدري؟ قد يموت. وعندها يباع لسيد لا نعرف من أمره شيئاً، من غير أن يدفع عنه الضر جماله وذكاؤه ولياقته. أتريدين الحق؟ إنك سوف تدفعين غالياً ثمن هذه المحاسن جميعهاً لأنها ستُطمع فيه تجار الرقيق وتجعل احتفاظكِ به أمراً عسيراً.» وارتجفت أليزا. لقد تراءت لها صورة هيلي، النخاس، فامتقع لونها وضاقت أنفاسها. ثم إنها تطلعت، في عصبية، إلى الشرفة حيث كان الصبي يلعب بعصا السيدة شيلبي ويتخذ منها حصاناً يركبه. وكادت تبوح لزوجها بالذي يقبض فؤادها ولكنها آثرت أن لا تضيف إلى جراحه جرحاً جديداً...

وأردف الزوج في حسرة بالغة: - «كل ما أوصيك به يا أليزا أن تصبري نفسكِ على البلاء. واسمحي لي، الآن، أن أودّعكِ فأنا ذاهب...» - «ذاهب؟ ولكن إلى أين يا جورج؟» - «إلى كندا. وعندما أبلغ تلك الديار سأشتريكما. ذلك هو الأمل الأوحد الذي بقي لي. إن لكِ سيداً كريماً وهو لن يرفض أن يبيعكِ. سوف أشتريكِ وأشتري هاري، إذا وفّقني الله!» - «ولكني أخاف أن يُقبضَ عليك؟» - «لن يقبض عليّ، يا أليزا سوف أموت قبل ذلك. إما أن أحرّر نفسي، وإما أن أموت!»

يتبع...

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع